عبد الفتاح اسماعيل شلبي
354
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
( ب ) ومن القراءات التي احتج لها قراءة يزيد البربرى : « وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها » قال أبو الفتح : « ينبغي أن يعلم ما أذكره ، وذلك أن أصل وضع المفعول أن يكون فضلة بعد الفاعل كضرب زيد عمرا ، وإذا عناهم ذكر المفعول قدموه على الفاعل ، فقالوا : « ضرب عمرا زيد » فإذا ازدادت عنايتهم به قدموه على الفعل الناصبة فقالوا : « عمرا ضرب زيد » فان تظاهرت العناية به عقدوه على أنه رب الجملة ، وتجاوزوا به حد كونه فضلة ، فقالوا : عمرو ضربه زيد « فجاءوا به مجيئا ينافي كونه فضلة ، ثم زادوه على هذه الرتبة فقالوا : عمرو ضرب زيد « فحذفوا ضميره ، ونووه ولم ينصبوه على ظاهر أمره رغبة به عن صورة ، الفضلة ، وتحاميا لنصبه الدال على كون غيره صاحب الجملة ، ثم أنهم لم يرضوا له بهذه المنزلة حتى صاغوا الفعل له ، وبنوه على أنه مخصوص به ، وألغوا ذكر الفاعل مظهرا أو مضمرا فقالوا « ضرب عمر » فاطرح ذكر الفاعل البتة ، نعم . وأسندوا بعض الأفعال إلى المفعول دون الفاعل البتة ، وهو قولهم أولعت بالشئ ولا يقول « أولعنى به كذا » وقالوا : « ثلج فؤاد الرجل » ولم يقولوا « ثلجه كذا » وامتقع لونه ولم يقولوا : « امتقعه كذا » ولهذا نظائر فرفض الفاعل هنا البتة ، واعتماد المفعول به البتة دليل على ما قلناه فاعرفه وأظنني سمعت أولعنى به كذا ، وإن كان كذلك فما أقله أيضا وهذا كله يدل على شدة عنايتهم بالفضلة ، وإنما كانت كذلك لأنها تخلو الجملة ، وتجعلها تابعة المعنى لها ، ألا ترى أنك إذا قلت : « رغبت في زيد » أفيد منه إيثارك له ، وعنايتك به ، وإذا قلت : « رغبت عن زيد » أفيد منه اطراحك له . وإعراضك عنه ، ورغبت في الموضعين بلفظ واحد ، والمعنى ما تراه من استحالة معنى رغبت إلى معنى زهدت . وهذا الذي دعاهم إلى تقديم الفضلات في نحو قول اللّه سبحانه « وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ » وإنما موضع اللام التأخير ، ولذلك سيبويه ( كذا ) إن الجفاة ممن لا يعلم كيف هي في المصحف يقرؤها « ولم يكن كفوا له أحد » . فان قلت : « فقد قالوا زيدا ضربته فنصبوه ، وإن كانوا قد أعادوا عليه ضميرا يشغل الفعل بعده عنه حتى أضمروا له فعلا ينصبه ، ومع هذا فالرفع أقوى وأعرب ، وهذا ضد ما ذكرته من جعلهم إياه رب الجملة ومبتدأها في قولهم : « زيد ضربته » .